كانون الثاني (يناير) 2019

  • 1 - 31 يناير 2019

الاقتصاد الرقمي.. بصيص أمل في العالم العربي

 

حملت القمة التنموية: الاقتصادية والاجتماعية الرابعة التي عقدت في العاصمة اللبنانية بيروت في 20 كانون الثاني (يناير) 2019، بصيص أمل جديد في سياق التعاون العربي، فكان من أبرز ما تمخّض عن هذه القمّة   "إعلان بيروت" الذي نادى بضرورة تبني سياسات استباقية لبناء القدرات اللازمة للاستفادة من إمكانات الاقتصاد الرقمي وتقديم الدعم للمبادرات الخاصة، إلى جانب أهمية وضع رؤية عربية مشتركة في مجال الاقتصاد الرقمي، من اجل مواكبة عربية لثورة الاتصالات والمعلومات، لان الاقتصاد الرقمي صار محركاً هاماً للنمو الاقتصادي العالمي.

أهمية هذا البند لا تتأتى من اهمية الاقتصاد الرقمي بشكل عام، فهذا امر معروف، وانما بسبب انه البند الوحيد الذي ارفق بمبادرة عملية لتنفيذه من خلال مبادرة  دولة الكويت لإنشاء صندوق للاستثمار في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي برأس مال وقدره مئتي مليون دولار أميركي بمشاركة القطاع الخاص، ومساهمة دولة الكويت بمبلغ 50 مليون دولار، وكذلك مساهمة دولة قطر بمبلغ 50 مليون دولار من رأس مال هذا الصندوق، بما يعادل نصف حجمه.

وعلى هذا الأساس، ينبغي الشروع فورا في العمل لإدراك التأخر العربي في هذا المجال، مع العلم أنّ بعض الحكومات العربية، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، قد قامت بتنفيذ مبادرات التحول الرقمي الأساسية، حيث تحتل الإمارات الصدارة بين دول الشرق الأوسط في تبني التحول الرقمي، لا بل ارتقت إلى المراكز الأولى في العديد من المقاييس في مؤشر التحول الرقمي. وقد أعلنت دول أخرى عن طموحات كبيرة وحققت تقدمًا كبيرًا في هذا المجال. ولكن رغم ذلك، ما زالت جهودها الرامية إلى تشجيع الابتكار والارتقاء بمعدلات الاعتماد الرقمي في القطاع العام إلى مستويات أعلى تواجه تحديات كبيرة في التنفيذ مثل افتقارها إلى هيكل الحوكمة اللازم لتحقيق التغيير المنشود.

وفي هذا السياق يعرض مؤشر ماكنزي للتحول الرقمي في الشرق الأوسط في تقرير خاص مستوى التحول الرقمي والأثر الناتج عنه في تسع دول بمنطقة الشرق الأوسط وهي: البحرين، ومصر، والأردن، والكويت، ولبنان، وسلطنة عمان، وقطر، والمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة. ويلحظ المؤشر اولا التباين بين دولة وأخرى، وثانيا انه رغم التطلعات والمبادرات الحكومية الطموحة تجاه التحول الرقمي، فإن 6% فقط من شعوب منطقة الشرق الأوسط ما زالت تنعم بتطبيق أنظمة الحكومة الذكية الرقمية، وهذا بدوره يؤكد على المكانة المتأخرة التي تحتلها المنطقة بالمقارنة مع الدول المتقدمة في مجال التحول الرقمي في قطاع الأعمال، بدءًا من انخفاض قيمة رأس المال المغامر المتاح لتمويل الشركات الناشئة وانتهاءً بحجم القوى العاملة في الوظائف والصناعات الرقمية.

إنّ أهمية الاقتصاد الرقمي تكمن في أنّه يسهم بأكثر من 3 تريليونات دولار في نمو الناتج المحلي العربي، ومن هنا ضرورة تبني رؤية الاقتصاد الرقمي العربي لفرص نمو الناتج المحلي للدول العربية تتماهى طرديا مع النمو السكاني في المنطقة العربية، ومع أهداف تحسين الحالة الاقتصادية والاجتماعية للشعوب العربية. مع الإشارة إلى أنّ المساهمة الرقمية في اقتصادات الدول العربية حاليا لا تتعدى 4 في المئة مقارنة بـ 22 في المئة عالميا.

من هنا، لا بدّ من إيجاد قوانين وتشريعات منظّمة للاقتصاد الرقمي وسياسات تنظم التقدم التكنولوجي والتحول الرقمي لضمان شمول جميع الدول العربية، وصياغة السياسات المرنة المتعلقة بمقومات الاقتصاد الرقمي العربي من البنى التحتية التكنولوجية، والسياسات والتشريعات المرتبطة، والحوكمة، والمهارات الرقمية والتمويل ورؤوس الأموال البينية والعالمية.

إلى جانب ترسيخ نجاح العمل العربي المشترك في بناء اقتصاد رقمي منافس عالميا عن طريق التكامل بين الدول العربية وتضافر جهود الحكومات العربية في سبيل تحقيق هذا الهدف، لذلك ينبغي تسريع جهود التحول الرقمي في الشرق الأوسط، ومن اجل ذلك قدمت ماكنزي عشر توصيات ملموسة في أربعة مجالات رئيسية وهي: الحكومة، وشركات القطاع الخاص، والتمويل، والمواهب البشرية. المستقبل الرقمي في الشرق الأوسط يستلزم تضافر جهود جميع الأطراف المعنية من قادة حكوميين وكيانات فردية وقطاع خاص ومجتمع مدني. والخلاصة، فإنّ قمة بيروت، عالجت موضوع الاقتصاد الرقمي الهام جدا من خلال إطلاق مبادرة عملية عربية، قدمتها الكويت كما أسلفنا، تؤمن مشاركة الحكومات في هذا الجهد لتتكامل معها لاحقا جهود القطاع الخاص وسائر مكونات مجتمع الاعمال، فهل نمضي على طريق الحداثة؟